الآلوسي

205

تفسير الآلوسي

المقام يقتضي ذكر القدرة لا الحلم والمغفرة . * ( وَأَقْسَمُواْ باللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الاُْمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً ) * . * ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم ) * أي حلفوا واجتهدوا في الحلف أن يأتوا به على أبلغ ما في وسعهم * ( لَئنْ جَاءَهُمْ نَذيرٌ ليَكُونُنَّ أَهْدَى منْ إحْدَى الأُمَم ) * الضمائر لقريش ، وذلك أنهم بلغهم قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أن طائفة من أهل الكتاب كذبوا رسلهم فقالوا : لعن الله تعالى اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم فوالله لئن جاءنا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم فكان منهم بعد ما كان فأنزل الله تعالى هذه الآية * ( ولئن جاءهم ) * جاء على المعنى وإلا فهم قالوا : * ( جاءنا ) * وكذا * ( ليكونن ) * وإحدى بمعنى واحدة ، والظاهر أنها عامة وإن كانت نكرة في الإثبات لاقتضاء المقام العموم ، وتعريف * ( الأمم ) * للعهد والمراد الأمم الذين كذبوا رسلهم أي لئن جاءنا نذير لنكونن أهدى من كل واحدة من الأمم اليهود والنصارى وغيرهم فنؤمن جميعاً ولا يكذب أحد منا أو المعنى لنكونن أهدى من أمة يقال فيها إحدى الأمم تفضيلاً لها على غيرها من الأمم كما يقال هو واحد القوم وواحد عصره وكما قالوا هو أحد الأحدين وهي إحدى الأحد يريدون التفضيل في الدعاء والعقل ، قال الشاعر : حتى استشاروا بي إحدى الأحد * ليثا هزبرا ذا سلاح معتد وقد نص ابن مالك في التسهيل على أنه قد يقال لما يستعظم مما لا نظير له هو إحدى الأحد لكن قال الدماميني في شرحه : إنما ثبت استعماله في احدى ونحوه المضاف إلى جمع مأخوذ من لفظه كإحدى الأحد وأحد الأحدين أو المضاف إلى وصف كأحد العلماء وإحدى الكبر أما في المضاف إلى أسماء الأجناس كالأمم فيحتاج إلى نقل ، وبحث فيه بأنه قد ثبت استعمال إحدى في الاستعظام من دون إضافة أصلا فإنهم يقولون للداهية العظيمة هي إحدى من سبع أي احدى ليالي عاد في الشدة وشاع واحد قومه وأوحدهم وأوحد أمه ولم يظهر فارق بين المضاف إلى الجمع المأخوذ من اللفظ والمضاف إلى الوصف وبين المضاف إلى أسماء الأجناس ولا أظن أن مثل ذلك يحتاج إلى نقل فليتدبر . وقال صاحب الكشف : إن دلالة * ( إحدى الأمم ) * على التفضيل ليست بواضحة بخلاف واحد القوم ونحوه ثم وجهها أنه على أسلوب . أو يرتبط بعض النفوس حمامها . يعني أن البعض المبهم قد يقصد به التعظيم كالتنكير فاحدى مثله ، وفيه أنه متى ثبت استعماله للاستعظام كانت دلالته على التفضيل في غاية الوضوح . * ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذيرٌ ) * وأي نذير وهو أشرف الرسل محمد صلى الله عليه وسلم كما روي عن ابن عباس . وقتادة وهو الظاهر ، وعن مقاتل هو انشقاق القمر وهو أخفي من السها والمقام عنه يأبى * ( مَا زَادَهُمْ ) * أي النذير أو مجيئه * ( إلاَّ نُفُوراً ) * تباعدا عن الحق وهرباً منه ، وإسناد الزيادة إلى ذلك مجاز لأنه هو السبب لها . والجملة جواب لما . واستدل بالآية على حرفيتها لمكان النفي المانع عن عمل ما بعده فيها ، وفيه بحث ، وقوله تعالى : * ( اسْتِكْبَاراً فِى الاَْرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ آلاَْوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ) * . * ( اسْتكْبَاراً في الأَرْض ) * بدل من * ( نفوراً ) * وقال أبو حيان : الظاهر أنه مفعول من أجله ، ونقل الأول عن الأخفش ، وقيل : هو حال أي مستكبرين * ( وَمَكْرَ السَّيِّء ) * هو الخداع الذي يرومونه برسول الله صلى الله عليه وسلم والكيد له ، وقال قتادة هو الشرك وروي ذلك عن ابن جريرج ، وهو عطف على * ( استكبارا ) * وأصل التركيب وأن مكروا الشيء على أن * ( السيء ) * صفة لموصوف مقدر أي المكر المسئ ثم أقيم المصدر مقام أن والفعل وأضيف إلى ما كان صفة ، وجوز أن يكون